مدنيون يدفعون الثمن.. هيومن رايتس ووتش توثّق انتهاكات في السويداء وتطالب بالمحاسبة
مدنيون يدفعون الثمن.. هيومن رايتس ووتش توثّق انتهاكات في السويداء وتطالب بالمحاسبة
عاشت مدينة السويداء في جنوب سوريا في يوليو 2025 واحدة من أكثر فصول العنف دموية منذ سنوات، حين تعرضت لهجوم واسع نفذته مجموعات جهادية تابعة لهيئة تحرير الشام إلى جانب مسلحين من البدو، الهجوم لم يكن مجرد مواجهة مسلحة، بل تحوّل إلى حملة عنف ممنهجة استهدفت المدنيين بشكل مباشر، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم نساء وكبار سن، وأجبرت آلاف العائلات على الفرار من منازلها تحت وقع الخوف وانعدام الأمان.
تقرير حقوقي يكشف حجم الانتهاكات
بحسب تقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم الخميس، فإن الهجوم الذي شهدته السويداء تخللته انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم خطيرة، ارتكبت في ظل غياب شبه كامل للمساءلة، واعتمد التقرير على مقابلات مع ناجين وشهود عيان، إضافة إلى تحليل مواد مصورة وشهادات ميدانية، ليكشف صورة قاتمة لما جرى خلال تلك الأيام، وفق وكالة أنباء المرأة.
قتل وإعدامات وانتهاك للكرامة الإنسانية
وثقت المنظمة حالات قتل تعسفي وإعدامات ميدانية نفذت بحق مدنيين بعد احتجازهم، إضافة إلى التمثيل بالجثث في مشاهد صادمة هزت المجتمع المحلي، كما سجل التقرير حالات اعتقال تعسفي طالت مدنيين دون أي مسوغ قانوني، إلى جانب هجمات استهدفت مركبات مدنية أثناء محاولتها الفرار من مناطق القتال، ما أدى إلى سقوط مزيد من الضحايا.
لم تقتصر الانتهاكات على استهداف الأفراد، بل طالت الممتلكات الخاصة والعامة، وأشار التقرير إلى عمليات نهب واسعة النطاق وتدمير منازل بشكل متعمد، إضافة إلى الاعتداء على كنائس ورموز دينية وشخصيات وطنية، في محاولة لبث الرعب وتقويض النسيج الاجتماعي في السويداء، وخلقت هذه الأفعال دمارا ماديا ومعنويا عميقا ما زالت آثاره ماثلة حتى اليوم.
نزوح جماعي وأزمة إنسانية خانقة
أدت موجة العنف إلى نزوح نحو 187000 شخص من السويداء ومحيطها، وفق ما وثّقته المنظمة. وتؤكد تقديرات الأمم المتحدة أن النازحين يواجهون ظروفا معيشية بالغة الصعوبة، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى، واعتماد متزايد على مساعدات إنسانية محدودة لا تلبي الاحتياجات الأساسية، وكثير من العائلات اضطرت للإقامة في مدارس أو مبان غير مكتملة، فيما يواجه الأطفال والمرضى مخاطر صحية متزايدة.
أبرز ما حذّرت منه هيومن رايتس ووتش هو غياب أي خطوات جدية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات في السويداء، ورغم بعض التصريحات الرسمية التي أقرت بوقوع أعمال عنف، فإن المنظمة شددت على أن الاعتراف وحده لا يكفي ما دام قادة القوات المتورطة يتمتعون بحصانة فعلية من العدالة، وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة إن غياب المساءلة يفتح الباب أمام تكرار الفظائع، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم يمكن أن تمر دون عقاب.
مطالب بتحقيقات مستقلة وإصلاح أمني
دعت المنظمة السلطات السورية إلى فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة تشمل كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، وعدم الاكتفاء بمحاسبة عناصر منخفضي الرتب، كما شددت على ضرورة إجراء إصلاح شامل لقطاع الأمن، يضمن خضوع جميع القوى المسلحة للقانون، ووضع آليات رقابة فعالة تحول دون تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل.
حذرت هيومن رايتس ووتش من أن استمرار الإفلات من العقاب سيبقي سوريا عالقة في دوامة متكررة من العنف والانتقام، ويقوض أي فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار أو المصالحة، وأكدت أن العدالة ليست مطلبا أخلاقيا فحسب، بل شرطا أساسيا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولمنع تحول الانتهاكات إلى نمط دائم.
أصوات الضحايا تنتظر الإنصاف
في السويداء، لا تزال عائلات الضحايا تبحث عن إجابات وعن حد أدنى من العدالة، فكثيرون فقدوا أبناءهم أو منازلهم أو شعورهم بالأمان، ويخشون أن يتم طي الصفحة دون محاسبة حقيقية، وبالنسبة لهم، لا تعني العدالة الانتقام، بل الاعتراف بالمعاناة وضمان عدم تكرارها، في بلد أنهكته سنوات طويلة من الصراع.
تعد مدينة السويداء من المناطق ذات الخصوصية الاجتماعية والدينية في جنوب سوريا، وقد ظلت لفترات طويلة بعيدة نسبيا عن المواجهات الواسعة التي شهدتها مناطق أخرى من البلاد منذ عام 2011، إلا أن تدهور الوضع الأمني وتعدد الفصائل المسلحة وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، جعل المدينة عرضة لانفجارات عنف مفاجئة، ومع غياب عملية سياسية شاملة، واستمرار ضعف مؤسسات العدالة، بات المدنيون في السويداء وغيرها يدفعون ثمنا باهظا لصراع لم يختاروه.
تقرير هيومن رايتس ووتش يعيد تسليط الضوء على هذه المأساة، مؤكدا أن مستقبل سوريا سيظل رهنا بقدرتها على كسر حلقة الإفلات من العقاب ووضع حد لانتهاكات تطول الإنسان وكرامته.










